ابن كثير
189
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها [ الرعد : 41 ] ، على أحد الأقوال في المكان ، كما قال محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس : لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى ، فالمراد لما بين يديها وما خلفها من القرى ، وكذا قال سعيد بن جبير : لما بين يديها وما خلفها ، قال : من بحضرتها من الناس يومئذ . وروي عن إسماعيل بن أبي خالد وقتادة وعطية العوفي فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها قال : ما قبلها من الماضين في شأن السبت . وقال أبو العالية والربيع وعطية : وَما خَلْفَها لما بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم ، وكان هؤلاء يقولون : المراد لما بين يديها وما خلفها في الزمان . وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن يكون أهل تلك القرية عبرة لهم ، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به ، وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم ؟ وهذا لعل أحدا من الناس لا يقوله بعد تصوره فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان ، وهو ما حولها من القرى ، كما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ، واللّه أعلم . وقال أبو جعفر الرازي « 1 » ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها أي عقوبة لما خلا من ذنوبهم . وقال ابن أبي حاتم : وروي عن عكرمة ومجاهد والسدي والفراء وابن عطية : لما بين يديها من ذنوب القوم وما خلفها ، لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب . وحكى الرازي ثلاثة أقوال : أحدها : أن المراد بما بين يديها وما خلفها ، من تقدمها من القرى « 2 » بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة ومن بعدها . والثاني : المراد بذلك من بحضرتها من القرى « 3 » والأمم . والثالث : أنه تعالى ، جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده ، وهو قول الحسن . ( قلت ) وأرجح الأقوال المراد بما بين يديها وما خلفها ، من بحضرتها من القرى ، يبلغهم خبرها وما حل بها ، كما قال تعالى وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى [ الأحقاف : 27 ] ، وقال تعالى : وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ [ الرعد : 31 ] ، وقال تعالى أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها [ الرعد : 41 ] فجعلهم عبرة ونكالا لمن في زمانهم ، وموعظة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم ، ولهذا قال وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ . وقوله تعالى : وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ قال محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ الذين من بعدهم إلى يوم القيامة ، وقال الحسن وقتادة وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ بعدهم فيتقون نقمة اللّه ويحذرونها ، وقال السدي وعطية العوفي
--> ( 1 ) تفسير الرازي 3 / 104 . ( 2 ) في الرازي : « من الأمم والقرون » . ( 3 ) في الرازي : « القرون » .